محمد متولي الشعراوي
6083
تفسير الشعراوى
مَتاعٌ فِي الدُّنْيا . . ( 70 ) ؛ لأن كلا منهم يحب أن يقنع نفسه ، بحمق تقدير المنفعة ، وكلمة « الدنيا » لا بد أن منها حقيقة الشئ المنسوبة إليه . والأسماء - كما نعلم - هي سمات مسميات ، فحين تقول : إن فلانا طويل ، فأنت تعطيه سمة الطول . وحين تقول : « دنيا » فهي من « الدّنوّ » أو « الدناءة » . وإن اعتبرت الدنو هو طريق موصل إلى القمة ، فهذا أمر مقبول ؛ لأن الدرجة الأولى في الوصول إلى الأعلى هي الدنو ، وتلتزم بمنهج اللّه تعالى فتصعد علوّا وارتفاعا إلى الآخرة . إذن : فمن يصف الدنيا بالدناءة على إطلاقها نقول له : لا ، بل هي دنيا بشرط أن تأخذها طريقا إلى الأعلى ، ولكن من لا يتخذها كذلك فهو من يجعل مكانته هي الدنيئة ، أما من يتخذها طريقا إلى العلو فهو الذي أفلح باتّباع منهج اللّه تعالى . إذن : فالدنيا ليست من الدناءة ؛ لأن الدين ليس موضوعه الآخرة ، بل موضوعه هو الدنيا ، ومنهج الدين يلزمك ب « افعل » و « لا تفعل » في الدنيا ، والآخرة هي دار الجزاء ، والجزاء على الشئ ليس عين موضوعه ، وأنت تستطيع أن تجعل الدنيا مفيدة لك إن جعلتها مزرعة للآخرة . وإياك أن تعمل على أساس أن الدنيا « 1 » عمرها ملايين السنين ؛ لأنه لا يعنيك كعائش في الدنيا إن طال عمرها أم قصر ، بل يعنيك في الدنيا مقدار مكثك فيها ، وعمرك فيها مظنون ، بل وزمن الدنيا كله
--> ( 1 ) وقد وصف لنا رب العزة سبحانه الدنيا فقال : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى . . ( 77 ) [ النساء ] وقال تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 24 ) [ يونس ]